الاثنين، 19 أكتوبر، 2009

قانون الهجرة الأميركي للعام 1965

قانون الهجرة الأميركي للعام 1965

النتائج المقصودة وغير المقصودة للقرن العشرين

(اقتُبس المقال التالي بقلم روجر دانيلز من نشرة لوزارة الخارجية تصدر باللغة الانجليزية باسم Historians on America (المؤرخون لأميركا).

بداية النص

قانون الهجرة لعام 1965: النتائج المقصودة وغير المقصودة

بقلم روجر دانيلز

شدّد (الرئيس) ليندون جونسون عند توقيعه قانون الهجرة للعام 1965 عند قاعدة تمثال الحرية (في جزيرة إليس بنيويورك) في 3 تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام على الأهمية الرمزية الشاملة للقانون بقوله: "إن القانون الذي سنوقعه اليوم ليس قانونا ثوريا. فهو لن يؤثر في حياة ملايين الناس. وهو لن يعيد تشكيل مجرى حياتنا اليومية، ولن يزيد ثروتنا أو قوتنا أهمية. ومع ذلك فإنه يظل واحدا من أهم القوانين التي أقرها هذا الكونغرس وهذه الحكومة من حيث إنه يصحح خطأ قاسيا وطال وجوده في تصريف شؤون الأمة الأميركية." لم يكن الرئيس القادم من تكساس متحليا بالتواضع إلى درجة غير معهودة. فقد كان جونسون يقول ما نصحه مستشاروه "والخبراء" بما يقول.

وقانون العام 1965 الذي مر دون اهتمام يذكر آنذاك، وتجاهله المؤرخون عقودا من الزمن، يعتبر الآن أحد ثلاثة تشريعات صدرت في العام 1965 وشكلت ذروة التحرر الأميركي في أواخر القرن العشرين. (القانونان الآخران هما قانون حقوق الانتخاب الذي طبّق حق الأميركيين الأفارقة في التصويت، وقانون الرعاية والمساعدة الطبية الذي نص على تمويل الرعاية الصحية للمسنين الأميركيين والفقراء). وتسبب قانون الهجرة في الدرجة الأولى في طفرة هائلة في الهجرة في الثلث الأخير من القرن العشرين، وعزز إلى حد كبير الوجود المتنامي للأميركيين القادمين من أميركا اللاتينية والآسيويين في خليط الوافدين على الولايات المتحدة في العقود التي تلت.

فلماذا أخطأ خبراء الرئيس خطأ كبيرا وأساءوا الحكم على النتائج المحتملة الجمّة المترتبة على القانون الجديد؟ السبب هو أنهم صبوا اهتمامهم على المعارك القديمة، فيما أخفقوا في تحليل التغيرات الفعلية التي كانت قد طرأت حتى ذلك الوقت. ولكن كي يتم فهم طبيعة ما فعلته التغيرات في الواقع ومَن كان باستطاعته القدوم إلى أميركا نتيجة للقانون الجديد، لا بد من دراسة المساق السابق لسياسة الهجرة الأميركية.

سياسة الهجرة الأميركية قبل 1921

لم تكن هناك قبل العام 1882 أية قيود على أي جماعة من المهاجرين الذين أرادوا أحرارا الاستقرار في الولايات المتحدة الأميركية. إلا أن الكونغرس أصدر في تلك السنة ما سُمي خطأ بقانون استثناء الصينيين (الذي منع العمالة الصينية فقط) الذي استهل فترة استمرت 61 سنة من سياسات التقييد المتشددة للهجرة. وبحلول العام 1917 كانت الهجرة قد تحددت واقتصرت على سبع طرق رئيسية. أولاها منع معظم الآسيويين كمجموعة. ومُنع بشكل خاص من الهجرة ككل المجرمون من نوع خاص والأشخاص الذين لا يرقون إلى مستوى خلقي معين، وأولئك المصابون بأمراض أو إعاقات معينة، والأفاقون الفقراء، "الأشخاص الذين قد يصبحون عالة على الدولة" وبعض المتطرفين والأمّيون. إلا أنه على الرغم من كل تلك القيود، استمرت الهجرة بشكل كامل في التزايد والنمو في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر والعقدين الأولين من القرن العشرين، باستثناء الفترة الصعبة من سني الحرب العالمية الأولى.

ولعله بسبب هذا التدفق في الهجرة نبع لدى المواطنين شعور معاد للمهاجرين زادت منه حدة الركود الاقتصادي الذي أعقب الحرب العالمية الأولى ولازمته مخاوف من الثورة البلشفية في العام 1917 وتطرف الجناح اليساري الداخلي اللذين أثارا رعبا وهميا من تدفق سيل كبير من المهاجرين الأوروبيين. فكان أن عمد رئيس لجنة الهجرة بمجلس النواب ألبرت جونسون، وهو عضو جمهوري كان يمثل منطقة ريفية في ولاية واشنطن، إلى استخدام عبارات من تقرير قنصلي كي يجادل بأن البلاد عرضة لخطر الغرق تحت هجرة "الملتوين الشاذين" واليهود "الذين لا يندمجون" و"القذرين واللاأميركيين من ذوي العادات الخطرة غالبا." وعلى الرغم من أن تلك الآراء كانت تعتبر متطرفة بالنسبة لذلك الزمن، فقد كان إجماع الكونغرس هو أنه كان هناك عدد كبير من الأوروبيين الجنوبيين والشرقيين يتدفقون على أميركا غالبيتهم من الكاثوليك واليهود، وشارك في هذا الرأي كثيرون من الأميركيين، إن لم تكن أغلبيتهم في ذلك الوقت. وصوّت مجلس النواب في جلسة الكونغرس لشتاء 1920-21 مدفوعا بهذه الكراهية، إن لم يكن بالتخوف، بأغلبية 293 صوتا ضد 46 بمنع الهجرة كليا لمدة 14 شهرا.

إلا أن مجلس الشيوخ الذي كان أقل تخوفا وريبة رفض فكرة المنع التام للهجرة واستعاض عن ذلك بمشروع قانون تبناه السناتور وليام بي دلنغهام، العضو الجمهوري من ولاية فيرمونت. ووافق الكونغرس على مشروعه، لكن الرئيس وودرو ولسون الذي كان على وشك نهاية فترة رئاسته نقضه باستخدام الفيتو. وكرر الكونغرس الجديد الموافقة على مشروع القانون بأغلبية قياسية في مجلس النواب وبأكثرية 78 صوتا مقابل صوت واحد في مجلس الشيوخ. وكان من خلف الرئيس ولسون، الرئيس وارن جي هاردنغ، أن وقع القانون في أيار/مايو 1921.

حصص الهجرة في العشرينات من القرن العشرين

كان قانون العام 1921 المعيار الذي حدد لأول مرة أعداد المهاجرين في ما عرف بالحصص بالنسبة لمعظم المهاجرين. ثم أقر قانون آخر مشابه في العام 1924 لكنه كان أكثر تشددا وأبعد أثرا وشكا منه الرئيس لندون جونسون. وانصب الاهتمام من ثم، وفي ما بعد، على مسألة الحصص المقننة (الكوتا)، لكنها لم تطبق على كل المهاجرين. فقد سُمح لفئتين من المهاجين بالقدوم "دون تحديد أعدادهم" وهم الزوجات، وليس الأزواج، والأطفال غير المتزوجين ودون الثامنة عشرة من أعمارهم من أبناء المواطنين الأميركيين والمهاجرون من بلدان نصف الكرة الغربي.

أما البلدان الواقعة خارج النصف الغربي من الكرة الأرضية فقد خصصت لها في الأصل حصص على أساس أعداد المواطنين المولودين في الخارج بالنسبة للمواطنين المسجلين في إحصاء العام 1890 الذي وصفه المنادون بتقييد الهجرة بالإحصاء الأنجلوسكسوني لأنه سبق تدفقا كبيرا من المهاجرين من جنوب وشرق أوروبا. (استخدم بعد العام 1929 أسلوب قيل إنه علمي لمزيد من تخفيف الهجرة). وفي حال القانونين فاز المهاجرون القادمون من شمال غرب أوروبا بنصيب الأسد وذلك على الرغم من أن معظم المهاجرين ظل يأتي على مدى عقود من الزمن من بلدان شرق أوروبا وجنوبها.

ومنع قانون العام 1924 أيضا "الأجانب غير المؤهلين انيل الجنسية"، وذلك تعبيرا عن واقع أن القانون الأميركي كان يسمح منذ العام 1870 بتجنس "الأشخاص البيض" وأولئك الذين "من أصل أفريقي" فقط. وكان القصد من هذه الفقرة بالذات هو الحيلولة دون قدوم اليابانيين مثل ما كان قد حيل دون قدوم الآسيويين الآخرين. (حدد القانون الأميركي آنذاك الآسيويين بموجب درجات خطوط الطول والعرض الجغرافية، الأمر الذي لم يجعل إلا أولئك الذين يعيشون في غرب أفغانستان فقط مؤهلين للهجرة إلى الولايات المتحدة). وكقيد إضافي كان ينبغي على المهاجرين، سواء بموجب نظام الحصص أو بغيره، أن يحصلوا على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة من القنصليات الأميركية في بلادهم الأصلية قبل مغادرتهم. ومع أن بعض الموظفين الأميركيين في السلك الخارجي كانوا "متعاطفين مع المهاجرين" فقد رفض كثير منهم، وربما معظمهم، منح تأشيرات لأشخاص كانوا مؤهلين لدخول أميركا. إذ أكدت تعلميات وزارة الخارجية للموظفين القنصليين على الرفض أكثر من تأكيدها على الموافقة. فقد نصت توجيهات في العام 1930، على سبيل المثال، على ما يلي:

"إذا اعتقد الموظف القنصلي أن طالب (الهجرة) قد يصبح عالة على الدولة في أي وقت من الأوقات حتى بعد فترة طويلة من وصوله، فيجب عليه أن يرفض منحه تأشيرة."

إلا أنه رغم القيود الجديدة استمر إدخال أعداد كافية من المهاجرين خلال فترة العشرينات. والواقع أن أعداد العام 1929 التي بلغت نحو 280،000 مهاجر جديد لم يتحقق لها مثيل إلا بحلول العام 1956. فقد خفض الكساد الاقتصادي الكبير والحرب العالمية الثانية الهجرة إلى حد كبير. إذ اتضح من البيانات أن أعداد ونسبة المولودين في الخارج قد تدنتا في البلاد. ففي كل من أحصاءي العامين 1860 و1920 ظهر أن واحدا من كل سبعة أميركيين كان مولودا في الخارج. وتدنت هذه النسبة بحلول العام 1970 إلى أقل من واحد من كل 20.

اعتقد الأميركيون أن عهد الهجرة قد ولى وانتهى. فقد كتب المؤرخ الشهير للأصول الأميركية جون هايم في العام 1955 رائعته الكلاسيكية "غرباء في الأرض" قائلا ما يلي:

"على الرغم من أن الهجرة من نوع ما ستستمر، فإن حركة الناس الواسعة التي شكّلت إحدى القوى الاجتماعية الأساسية في تاريخ أميركا قد انتهت. فإن الاعتقاد القديم بأن أميركا هي الأرض الموعودة لكل التوّاقين إلى الحرية قد فقد أهميته الفعلية."

ومع أنه لم يبد أن أحدا قد استوعب أن عهد الحد من تزايد الهجرة قد انتهى فقد انتهى ذلك العهد قبل أكثر من عشر سنوات.

اللاجئون وتغيرات زمن الحرب

رغب الرئيس فرانكلن دي روزفلت في كانون الأول/ديسمبر 1943 في أن يبدي مبادرة تأييد لحليف إبان الحرب فعمد الكونغرس إلى إلغاء 15 قانونا كانت تسثتني الهجرة من الصين ومنح الصينيين حصة محدودة من الهجرة. والأهم هو أنه جعل الصينيين مؤهلين لنيل الجنسية. ووافق الكونغرس بعد ثلاث سنوات على قوانين مشابهة تمنح الحقوق ذاتها للفليبينيين و"الهنود الأصليين"، وفي العام 1952 محا كل منع عرقي أو عنصري يحول دون نيل الجنسية الأميركية. وخلافا عن ما كانت عليه قوانين الهجرة لفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية جاءت هذه التغييرات وكثير من التعديلات اللاحقة في القوانين بدافع من هموم السياسة الخارجية أكثر من الخشية من ردة فعل معارضة للهجرة في الدوائر الانتخابية المحلية.

علاوة على ذلك، كانت قد حدثت تغيرات أخرى قبل العام 1952 في السياسة الأميركية. فقد عملت على وضع نظم خاصة للاجئين. وكان الكونغرس قد رفض أثناء الإعداد للحرب العالمية الثانية أن يضع مثل تلك القوانين بأن حال بشكل خاص دون التصويت على مشروع قانون يسمح بإدخال 20,000 طفل ألماني كانوا جميعا تقريبا من اليهود. وقد أيد مشروع القانون الرئيس السابق هربرت هوفر وأشار الرئيس روزفلت في الخفاء إلى أنه يفضله لكنه رفض أن يغامر بهيبته ونفوذه إذا أيده علنا. ثم جاء المؤرخون وصانعو السياسية في أعقاب المحرقة (الهولوكوست) كي ينددوا بإخفاق أميركا في توفير ملاذ كاف للاجئين الهاربين من هتلر، مع أن الحقيقة هي أن عددا كبيرا من اللاجئين اليهود وصلوا بطرقهم الخاصة إلى شواطئ أميركا. وكان نائب الرئيس ولتر مونديل يعبر عن إجماع الآراء عندما أعلن في العام 1979 أن الولايات المتحدة وبلدان اللجوء الأخرى "قد رسبت في امتحان الحضارة" على الأقل، قبل وبعد الحرب العالمية الثانية لأنها لم تكن أقل تحفظا في كرمها تجاه ضحايا هتلر المحتملين.

وهكذا فإنه صار خوض أول معركة من المعارك المريرة الثلاث التشريعية في ما بعد الحرب العالمية الثانية حول سياسة الهجرة التي انصبت على اللاجئين في الفترة ما بين عامي 1946 و1950. فبحلول نهاية العام 1946 كان نحو 90 بالمئة من ما يقرب من 10 ملايين لاجئ قد أعيد توطينهم إلى حد كبير في أوطانهم السابقة. أما الباقون الذين وصفوا بالنازحين أو المهجرين فكانوا أناسا لم يكن لهم بالفعل أي مكان يذهبون إليه. إلا أنه في حين اعتُبرت قضية النازحين بأنها "مشكلة يهودية"، فقد كان خُمس اللاجئين الباقين فقط وعددهم 1,1 المليون من اليهود. وقد رغب كثير منهم في الذهاب إلى فلسطين التي كانت آنذاك تحت الانتداب البريطاني الذي رفض السماح لهم بالدخول.

حاول الرئيس هاري إس ترومان على مدى سنتين حل المشكلة عن طريق الإجراءات التنفيذية (تدابير الحكومة) لأن الكونغرس عارض ومعظم الأميركيين أي زيادة في الهجرة على وجه العموم، وخاصة هجرة اليهود. ففي بداية العام 1947 طلب من الكونغرس استقصاء السبل التي يمكن للولايات المتحدة بواسطتها أن تضطلع "بمسؤوليتها تجاه هؤلاء المشردين وأولئك اللاجئين من كل الأديان الذين يقاسون المعاناة." وكان ذلك الطلب أول إيحاء رئاسي بأن للبلاد "مسؤولية" تجاه قبول اللاجئين. ثم ردد كل رئيس بعد ذلك صدى تلك المسؤولية.

صحيح أن ترومان نفسه لم يرسل أي برنامج منه للكونغرس. لكننا نعلم، كما اعتقد الكثيرون آنذاك، أن البيت الأبيض عمل بتعاون مع لجنة من المواطنين أعلنت فورا عن هدفها الرامي إلى إدخال 400,000 لاجئ. وتحقق نجاح هذا الهدف على دفعتين. ففي حزيران/يونيو 1948 أقر الكونغرس قانونا يسمح بإدخال 202,000 من النازحين ولكن مع قيود اعتبرها كثيرون من المدافعين عن اللاجئين بأنها تميز ضد اليهود والكاثوليك. وقد وافق ترومان على القانون ووقعه على مضض لعلمه بأن ذلك كان أفضل ما سيحصل عليه من الكونغرس في ذلك الوقت. ثم وقع بعد سنتين قانونا ثانيا زاد المجموع إلى 415,000 شخص وأسقط الشروط التي أثارت الشكوى.

ولكي يخلقوا وهما عند ناخبيهم القلقين بأن نظام الحصص التقليدي ما زال ساريا، تظاهر أعضاء الكونغرس بأن اللاجئين الذين يتم إدخالهم زيادة عن الحصص التي نصت عليها القوانين ما هي في جوهرها سوى ديون أو "رهونات" سيصار إلى "دفعها" عن طريق تخفيض حصص بلدان المهاجرين في السنين المقبلة. وهذا أمر لم يكن قابلا للتطبيق بوضوح. ولسوق مثال متطرف على ذلك فإن حصة لاتفيا التي كانت 286 مهاجرا ما لبثت أن أصبحت "مرهونة" حتى العام 2274. مما حدا بالكونغرس إلى أن يعمد إلى إلغاء مثل هذه "الرهونات" بدون ضجة في العام 1957.

وتم في نهاية المطاف أدخال نحو 410,000 مهجر بالفعل. وكان واحد منهم فقط من بين ستة يهوديا. وكان نحو واحد من كل سبعة من المسيحيين الألمان المبعدين من تيشكوسلوفاكيا وغيرها من دول أوروبا الشرقية. وأغلبية البقية كانت من ضحايا ستالين وأشخاصا نزحوا بسبب استيلاء السوفيات على أوروبا الشرقية، ومن البولنديين ومن جمهويات البلطيق.

استمرار الجدل حول نظام الحصص (الكوتا)

في الوقت الذي كانت فيه معركة لاجئي ما بعد الحرب قد أشرفت على نهايتها ولصالح إدخال بعض اللاجئين على الأقل، استمر الشعور بالمرارة تجاه الهجرة في النقاش الذي كان دائرا حول إعادة النظر في القوانين الأساسية التي لم تتبدل منذ العام 1924. وكانت النتيجة إقرار قانون الهجرة والجنسية للعام 1952 المعروف أيضا باسم قانون ماكاران وولتر والذي نجا أيضا من نقضه من قبل الرئيس ترومان باستخدام حق الفيتو أثناء اشتعال الحرب الكورية. وقد ردعت الرئيس ترومان ومعظم التحرريين الليبراليين (ولكن مما يثير الاهتمام أن السناتور لندون جونسون الرئيس اللاحق لم يكن منهم) قضية جانبية وهي جوانب الحرب الباردة للقانون الذي شكل اختبارا إيديولوجيا قاسيا لا بالنسبة للمهاجرين وحسب، بل وللزائرين أيضا. فقد منعت نصوص القانون كثيرا من المثقفين الأوروبيين من أمثال جان بول سارتر من إلقاء محاضرات في الجامعات الأميركية.

امتدحت رسالة ترومان التي نقضت القانون (وتغلب عليها الكونغرس في النهاية) إلغاء القانون كل الموانع العرقية واالعنصرية المحضة للتجنس وزاد من لمّ شمل الأسر وإلغى التمييز ضد الجنس (الرجال والنساء). إلا أن الرئيس قال إن قانون الهجرة والجنسية "سيبقى ساريا دون تغيير عملي في تطبيق نظام الحصص بالنسبة لبلدان الأصل." والواقع أن الرئيس ترومان ومعظم المعلقين اللاحقين أخفقوا في إدراك الأثر المحتمل لتلك التغييرات المحدودة التي أجراها قانون ماكاران. فقد أهملوا أن يأخذوا في الاعتبار، على الأخص، التأثير المحتمل الذي قد يحدثه النص الغامض (المادة 212 (d)(5) التي منحت الرؤساء اللاحقين سلطة الوعد المؤقت كما يراه مناسبا لإدخال أعداد غير محدودة من الأجانب "لأسباب طارئة أو .. للمصلحة العامة." وهذا يعني في الواقع أن الرؤساء اللاحقين يمكنهم ،على سبيل المثال، أن يأمروا بإدخال أعداد كبيرة من الهنغاريين والكوبيين والتبتيين أو اللاجئين من جنوب شرق آسيا وأن يعمل الكونغرس في ما بعد على تنظيم التدابير.

تدل تحليلات كل موجات الهجرة والدخول إلى أميركا خلال السنوات الثلاث عشرة التي سرى فيها مفعول قانون الهجرة والجنسية (1953-1965) على أنه دخل الولايات المتحدة 3.5 مليون مهاجر بصفة مشروعة وكان أكثر من ثلثهم بقليل من مهاجري الحصص. وشكل المهاجرون من خارج الحصص الأغلبية الساحقة في كل سنة من السنوات المذكورة. أما المهاجرون الآسيويون الذين كان يفترض أن يكون عددهم 2،000 مهاجر سنويا بموجب نص نظام حصص "المثلت الآسيوي الباسيفيكي" بلغ عددهم في الواقع رقما مثيرا للقلق وهو 236,000 مهاجر، أي عشرة أضعاف العدد المنصوص عليه تقريبا. وشكل أفراد عائلات المولودين في أميركا أو الآسيويين الحاصلين على الجنسية حديثا معظم هذا العدد. يضاف إلى ذلك أن سنوات تطبيق قانون الهجرة والجنسية كانت أول فترة من التاريخ الأميركي التي لم تسد فيها أعداد المهاجرين الأوروبيين الهجرة الحرة، إذ كانت نسبة المهاجرين من كندا ومنطقة الكاريبي ومن أميركا اللاتينية، حيث جاءت الأكثرية من المكسيك، 48 بالمئة. وشكل الآسيويون نسبة سبعة بالمئة في حين سجل الأوروبيون نسبة 43 بالمئة.

قانون الهجرة للعام 1965

على الرغم من أن نظام البلد الأصل لم يعد هو السائد، فقد تزعم آخر موقعة في الدفاع عنه في الستينات في الكونغرس السناتور الديمقراطي من نورث كارولينا سام جاي إرفين الذي أصبح في السبعينات بطلا عند الليبراليين لدوره في تحقيقات فضيحة ووترغيت. فقد اتخذ إرفين موقفا محافظا وجادل بأن نظام الحصص،كما عدّل، لم يكن مميزا، بل كان "بمثابة مرآة تعكس صورة الولايات المتحدة." ولكن ما لم يعترف به إرفين وغيره من مؤيدي الحجج "الثقافية" للحد من الهجرة أبدا هو أن "مراياهم" هم كانت مشوهة لاتعكس صورة الولايات المتحدة كما أصبحت فعلا في العام 1965 بل كما صورت قبل عقود مضت في إحصاء سنة 1920. ولذا كانت قضيتهم محكوما عليها بالفشل نتيجة تبني كثير من الأميركيين وجهات نظر وآراء ذات طبيعة عالمية.

وعلى أية حال فقد عمل القانون الجديد الذي حفزه جزئيا الجو الإيديولوجي المتحرر الذي ساد في الستينات على إلغاء الحصص كليا واستبدلها بنظام السقف لنصفي الكرة، أي 170,000 مهاجر من نصف الكرة الأرضية الشرقي و120,000 من نصف الكرة الغربي مع حد أعلى مجموعه 20,000 مهاجر من أي بلد واحد سنويا. وبدا أن هذه السقوف حددت عدد المهاجرين سنويا بما مجموعه 290,000 مهاجر، غير أن ذلك كان ضربا من الوهم. ويصدق القول ذاته على ما سبقه من القوانين منذ العام 1921 التي كان فيها ما نص على السماح بإدخال مهاجرين لا تخضع أعدادهم لحدود. فقد وسّع القانون الجديد أصناف أفراد الأسرة الذين يستطيعون دخول الولايات المتحدة دون اعتبار للحدود العددية فيما خصص معظم الأعداد المحددة للأقارب البعيدين لأسر المواطنين أو حتى لأفراد أسر الأجانب المقيمين.

كان هناك حد أعلى (سقف) ظاهر لأعداد اللاجئين. فقد خصص القانون الجديد 6 بالمئة من إجمالي أعداد الهجرة العالمية لهم (وهو عدد بلغ آنذاك 17،000 تأشيرة)، لكنه ترك سلطة الوعد الرئاسي المؤقت التي نص عليها قانون ماكاران سليمة لم تمس. وهكذا تمكن أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ من المجر وكوبا وفيتنام والتبت وغيرها من البلدان من القدوم إلى أميركا بحلول نهاية القرن بموجب الوعد الرئاسي المؤقت مبدئيا ثم جعلهم مهاجرين عاديين من قبل الكونغرس.

لكن معظم الذين دخلوا البلاد بين العامين 1966 و2000 وبلغ عددهم 22.8 مليون مهاجر كان من أفراد أسر المهاجرين حديثا الذين جاءوا ضمن سيل الهجرة المستمر الذي سمي "سلسلة الهجرة" بقدوم مهاجرين يفتحون المجال أمام أفراد أسرهم كمهاجرين محتملين في المستقبل. وقد جاء عدد قليل من هؤلاء المهاجرين من أوروبا.

لم يكن أحد ليتصور هذه النتيجة في العام 1965. وغالبا ما يعزى السبب في ذلك إلى تحرير متطلبات الهجرة وخفة التمييز العرقي والعنصري مع مرور الوقت والسلوك الاجتماعي الذي نشأ عن التنوع كنموذج مثالي عند العديدين بدلا من التجانس. كذلك أولى معظم السلطات الحكومية أهمية ووزنا أكبر للأهداف المتغيرة في سياسة أميركا الخارجية. فقد نادت (تلك السلطات) بأن سياسة الهجرة ركيزة للسياسة الخارجية وبأن الأغراض الأحادية الثقافة للسياسات التي وضعت في العشرينات لم تعد مناسبة لبلد يسعى لتصدر الزعامة العالمية.

يكشف تحليل لأنواع الناس الذين قدموا إلى الولايات المتحدة منذ العام 1965 عن كل من أوجه الشبه والاختلاف بين الذين قدموا في العصر الكلاسيكي المبكر إبان التدفق الكبير للهجرة بين نهاية الحروب النابليونية والعام 1924. وصلة الوصل الرئيسية هي أن معظم المهاجرين الذين وفدوا في الفترتين أتوا كي يعملوا حين استطاع مستخدموهم أن يدفعوا أجورا أقل من مستوى الأجور السائدة. لكن هناك عوامل مختلفة كل الاختلاف. فلم يعد معظم المهاجرين يأتي من أوروبا. وتشمل الاختلافات الأخرى اختلاف الجنس، إذ كان العدد الغالب من المهاجرين في السابق من الذكور بينما حققت أعداد الإناث منذ العام 1950 أغلبية بسيطة. وتشمل الاختلافات أيضا مستويات التعليم والمهارات. فقد كانت للمهاجرين المبكرين مستويات من التعليم والمهارات أدنى من تلك التي للأميركيين العاديين، بينما كانت أقلية لا بأس بها من المهاجرين في السنوات الأخيرة تتمتع بمهارات عالية. والواقع أن الحديث أصبح مألوفا عن "هجرة العقول" من البلدان الأصلية. ويمكن القول إن الأغلبية الساحقة من المهاجرين المعاصرين يأتون من البلدان النامية.

عندما ندرس كل تدفقات الهجرة العالمية نجد أن أوروبا التي كانت منذ عصر الاستكشاف مصدّرا للناس قد أصبحت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مقصدا للهجرة التي جاءت غالبا من المستعمرات. وقد طال الأمد بكثير من الأوروبيين كي يعترفوا بهذه التغيرات. فعندما ادعى مستشار ألمانيا السابق هلموت كول بأن ألمانيا لم تكن قط أمة من المهاجرين أظهر الإحصاء أن لجمهورية ألمانيا الاتحادية نسبة للمقيمين المولودين في الخارج أعلى بقليل من نسبة المولودين في الخارج المقيمين في الولايات المتحدة.

من الجدير بالذكر أن معظم الدول المتقدمة صناعيا معنية جدا بالهجرة في هذا العهد الحالي من العولمة. ففي الولايات المتحدة استمرت تدفقات الهجرة بكثافة رغم تشديد التدابير الأمنية الناجمة في جزء منها عن رعب 11 أيلول/سبتمبر. والظاهرة المزدوجة، المتمثلة في استيراد العمالة في نفس الوقت الذي يجري فيه تصدير الأعمال والوظائف إلى الخارج في ما يسمى "الموارد الخارجية" بينما تزداد أرباح الشركات وينمو الاقتصاد، زادت أيضا من تفاقم الضغوط الاجتماعية التي قد ترتفع كثيرا ولو على المدى القصير، على الأقل.

* روجر دانيلز

روجر دانيلز استاذ شرف متقاعد للتاريخ في جامعة سنسناتي. وقد ألف 16 كتابا ونقح نحو 90 وشغل منصب مستشار تاريخي للجنة الرئاسية الخاصة لنقل ودفن المدنيين وشارك في اللجنة التي ساعدت في التخطيط لمتحف الهجرة في جزيرة إليس بنيويورك. من كتبه الأخيرة "القدوم إلى أميركا: تاريخ الهجرة والأعراق في الحياة الأميركية" و"سجناء من غير محاكمة: الأميركيون اليابانيون في الحرب العالمية الثانية" و"حراسة البوابة الذهبية: سياسة الهجرة الأميركية والمهاجرون منذ 1882".

0 التعليقات:


Free Blogger Templates by Isnaini Dot Com. Powered by Blogger and Supported by ArchiThings.Com - House Design Pictures